” حاولوا يمنعوني ويهدوني، بس أنا صممت وزعقت وقلت: ” لو محدش جه معايا هروح لوحدي وأفتحه بأيدي!” شافوا إصراري فمشوا معايا عشان اهدى وصلنا ، وريحة التراب والشمس كانت . وقفوا ورايا وهما بيدعولي بالشفاء والرحمة، وأنا وبدأت أزيل التراب وفتحنا انا واخواتي وبصينا كلنا في اللي كانوا شايفاني مجنون، رجعو لورا وهما شديده أما أنا… أنا اتجمدت في مكاني، وكنت هفقد وعيي من اللي شفته جوة !
!!!! نزلت درجات السلم الحجري النازل لبطن ، وإيدي ب ترتعش، والشهقة كتمت في حلقي لما الضوء دخل لجوة . الناس اللي كانوا واقفين ورايا وسامعين صراخي اتراجعوا لورا خطوتين من هول المنظر، وفي منهم اللي حط إيده على بقه من ، ومنهم اللي بدأ ويكبر بأعلى صوته: “الله أكبر!
لا إله إلا الله!” اللي شفته جوة ميستوعبهوش عقل ولا يخطُر على بال بشر… عمر ابني… مكنش ممدد في مكانه اللي فيه! الكفن الأبيض اللي لفناه بيه كان متبهدل، ومتقطع من ناحية الجنب، مكنتش متجهة للقبلة زي ما سبناها يوم .
عمر كان مقلوب على جنبه، وششه متغطي بالتراب، وإيديه التنين ممدودين لقدام كأنه كان بيحاول في جدار أو يتسلق عشان يخرج! وأبشع حاجة زلزلت كياني وخلت دموعي في عيني… إن الجانب الأيمن من كان مغروس فيه فرع شجرة ناشف وشهير بشوكه الحاد، فرع دخل في تماماً زي ما كنت بشوفه في الكابوس بالظبط، الناشف كان معلم في حوالين الشوكة!
قفت مذهول، رجليا مش شايلاني، والعرق نازل مني زي المية رغم برودة المكان جوة . صوت الناس برة كان بينادي عليا بذهول وخوف: “يا عبد السميع! في إيه يا عبد السميع؟ طمنا يا راجل!” أخويا الكبير “حسين” نزل ورايا وهو بيترعش، ولما بص على عمر، ماسك في كتفي بقوة وقال بصوت ومخنوع: “إيه ده يا عبد السميع؟
! ده… ده إزاي بيحصل؟! هو عمر مكنش لما ؟!” الكلمة نزل عليا زي الصاعقة… “مكنش ؟!” هل يعقل إن الدكاترة في المستشفى غلطوا لما قالوا إنه فارق الحياة بعد الحادثة؟ هل إحنا دفناه وهو في غيبوبة أو سكتة قلبية مؤقتة؟
هل ابني صحي تحت التراب في الضلمة والخنقة دي، وقعد ويخبط في الجدران لحد ما ماتمن الخوف ونقص الأوكسجين؟ هل عشان كده كان بيجيلي في الحلم ويقولي: “خرجني من هنا يا بابا”؟! الفكرة لوحدها كانت كفيلة إنها تطير اللي فاضل من عقلي.
جثيت على ركبي جنب ابني، مسكت كتافه وأنا بصوت زلزل كلها: “سامحني يا عمر! سامحني يا ابني! أنا اللي بإيدي! أنا اللي سبتك يا حبيبي!” أخواتي والرجالة نزلوا بسرعة، سحبوني بالعافية وأنا في ج/ثة ابني ومش راضي أسيبه.
الناس كانت في حالة ذهول تام، الحادثة هزت القرية كلها في دقائق، والأخبار طارت بين الأهالي زي النار في القش: “عبد السميع فتح ابنه ولقاه متحرك من مكانه ومغزوز في جنبه شوك!” رجعت البيت محمول على الأكتف، ومش قادر أستوعب الحقيقة.
بس وسط الذهول والصدمة، دخل عليا “الشيخ مهران”، راجل كبير من أعيان البلد ومعروف برزانته وعقله. قعد جنبي، ومسك إيدي بصرامة وقال لي: “يا عبد السميع، استهدي بالله وركز معايا… اللي شفته ده وراه سر، والموضوع مش مجرد غيبوبة غلط، الشوكة اللي في جنبه دي مجتش من العدم جوة مقفول بالأسمنت!

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.