بس وسط الذهول والصدمة، دخل عليا “الشيخ مهران”، راجل كبير من أعيان البلد ومعروف برزانته وعقله. قعد جنبي، ومسك إيدي بصرامة وقال لي: “يا عبد السميع، استهدي بالله وركز معايا… اللي شفته ده وراه سر، والموضوع مش مجرد غيبوبة غلط، الشوكة اللي في جنبه دي مجتش من العدم جوة مقفول بالأسمنت!
” كلام الشيخ مهران نزل عليا كأنه أمل أو بداية الخيط… لو عمر مكنش صحي لوحده… يبقى في حد دخل ده! أو في حاجة تانية بتحصل مش طبيعية! في نفس الليلة، وقبل ما المفتش أو الصحة يوصلوا عشان يعاينوا الواقعة بناءً على طلبنا، جالي جواب متطبق ومرمي من تحت باب ، مكتوب فيه بخط رديء وبقع د صغيرة: “ابنك مش في غيبوبة… وابنك مكنش لوحده في … لو عايز تعرف السر اللي مع ابنك، تعال لوحدك قبل أذان الفجر.
”مسكت الجواب في إيدي وأنا حاسس إن جسمي كله بيتكتك من البرودة والخوف. الشقة كانت فاضية وضلمة، وصوت قلبي كان طالع زي الطبولة في ودني. الجواب بين إيديا، وبقع الصغيرة اللي عليه كانت زي اللي بتاكل في صوابعي.
“تعال لوحدك قبل أذان الفجر…” العبارة دي كانت بتتردد في عقلي كأنها حكم بالإعدام، بس ما كانش قدامي خيار تاني. لو في أي خيط، حتى لو كان كذب أو فخ، يخليني أفهم إيه اللي حصل لابني عمر، همرّ عليه حتى لو على أطراف الشوك.
بصيت في الساعة المعلقة على الحيطة، كانت التانية والنصف بعد منتصف الليل. الفجر فاضل عليه حوالي ساعة ونص. خرجت من البيت من غير ما أحسس أخواتي أو أي حد من البلد، مشيت في شوارع القرية الفاضية، الهدوء كان مرعب، والكلاب كانت بتعوي بصوت ينقبض له القلب.
كل خطوة كنت بمشيها ناحية المقابر كانت تحسسني إن الأرض بتتسحب من تحت رجليا، بس صورة عمر وهو الحلم والشوكة مغروسة في جنبه كانت هي المحرك الوحيد ليا. وصلت سور ، الضلمة كانت كاحلة، وما فيش غير نور القمر الخافت اللي نازل على أسطح الشواهد .
الريح كانت بتهب بصوت حفيف بين أشجار الصدر والعوسج النابتة بين المقابر. مشيت بخطوات بطيئة ومرتبكة بين الشواهد لحد ما قربت من عمر. أول ما قربت، لاحظت حاجة غريبة جداً… الشمعة! كان في شمعة صغيرة متولعة ومحطوطة على الطوب الرصيص اللي فوق ، ونورها الضعيف كان بيرتعش مع الهواء!
وقف قلبي في صدري. قربت ببطء وأنا ماسك عصاية خشب تقيلة كنت جايبها معايا، وقلت بصوت مخنوع ويرتعش: “مين هنا؟… مين اللي بعت الجواب؟” الظابط بصوت هز أرجاء : “اكتفوا الاتنين وهاتوا كل حاجة معاهم!” خلال ثواني، كانت الكلبشات بتتقفل على إيدي وإيد رجب البشاري، اللي كان بينظر لي بنظرات كلها غل وشر وهو فاكر إن أنا اللي سحبته للفخ ده.
أنا مكنتش داري بجديد ولا بقديم، عيني كانت متسمرة على الشخص اللي واقف جنب العميد… “الحاج توفيق”، كبير عيلتنا، الراجل اللي كان بيمسح على كتفي الصبح وبيقولي “اتعوذ من الشيطان يا عبد السميع وابنك في رحمة ربنا، بلاش تفتحه فتنسى حرمة الميت!

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.