حكايات زهره 2

نُشر منذ يوم
حفظ
غلاف المقال

ظلت واقفاً خلف الستارة لفترة طويلة، كأن أطراف قدماي قد جُمدت في الأرض ولم تعد تحملني. عقلي كان يحاول جاهدًا أن يربط الخيوط ببعضها، لكن الفوضى كانت أكبر من أن تحتملها سرعة تفكيري. سقطت مريم على الأريكة المجاورة وهي تذرف الدموع بغزارة، وتضع وجهها بين كفيها، شجاعة الصمت التي كانت تداري بها كل شيء تلاشت تماماً، ولم يتبقَ سوى شهقاتها المتتالية وهي تحدث نفسها بصوت خافت: “يا رب.

. استرها، يا رب نجيني من اللي أنا فيه.”
انتظرت حتى هدأ صوت حركتها في الصالة، وسمعتها تدخل إلى غرفتهما وتغلق الباب وراءها، فخرجت من مخبئي بخطوات ثقيلة كأنني أحمل فوق كاهلي جبلاً من الرصاص. خرجت من الشقة كلها دون أن أنطق بكلمة واحدة، ونزلت إلى الشارع وأنا أشعر أن الأرض تميد بي من شدة الصدمة والدوار.

توجهت مباشرة نحو سيارتي، ركبتها وأنا أتساءل: كيف يمكن لمن أحببتها طوال خمس سنوات، واطمأننت لها ثقةً وعشرة، أن تخفي سراً بهذا الحجم؟ وما الذي يربطها بأخي الكبير إلى حد أن تجعلها تقبل بتلك اللعبة المرعبة، بل وتمثل الإغماء كلما دخل من الباب فقط لتمنعه من البقاء أو لتخفي شيئاً أعظم؟

لكن الأهم من كل هذا.. ما هو ذلك السر الذي يهدد به خالد عائلتي والذي سيجعلنا ندمر جميعاً لو خرج إلى النور؟جلست في السيارة لساعات طويلة، والشمس تبدأ في المغيب والظلام يزحف ببطء، حتى استجمع طاقاتي وقررت أن المواجهة هذه المرة لن تكون مع مريم، ولن تكون في العلن بالطريقة العادية.

يجب أن أعرف الحقيقة كاملة من خالد نفسه، وبأي ثمن، حتى وإن تطلب الأمر أن أفقده كأخ للأبد.أخرجت هاتفي بيدي المرتجفتين، وبحثت عن رقمه واتصلت به. رن الهاتف مرتين، ثم جاء صوته الهادئ كأن شيئاً لم يكن:
* “ألو يا عمر؟

خلصت شغل بدري ولا إيه؟”
ضغطت على أسناني بقوة حتى كادت أن تتكسر من شدة الغيظ، وقلت بصوت حاد يقطر غضباً:
* “أنا خلصت كل حاجة يا خالد.. وعارف كل حاجة حصلت النهارده في الشقة.”
سكت الهاتف تماماً في الطرف الآخر، وساد صمت طويل ومطبق لعدة ثوانٍ، كأن النبض قد توقف هناك أيضاً.

ثم أتاه صوته منخفضاً ومتحفظاً للغاية، وبنبرة خلت تماماً من الدهشة:
* “أنت كنت موجود؟”
رددت بصوت يهز المكان من شدة الانفعال:
* “كنت مستخبي وشايف كل مهزلة وكل كلمة حصلت! سامعني؟ كل حاجة كشفتها! وبدل ما تلف وتدور، أقسم بالله لو ما نزلَتلي حالاً وقعدت قدامي وحكيت لي كل حرف من القصة دي ومن أولها لآخرها، لأقلب الدنيا على دماغ الكل ومش هيهمني صلة الدم ولا أي حاجة تاني في الدنيا دي كلها!

”
تنهد خالد بعمق شديد، كأن حملاً ثقيلاً انزاح عن كاهله بالرغم من خطورة الموقف، وقال بنبرة جادة وحاسمة:
* “تمام يا عمر.. ما دام جيت بنفسك وحطيت رجلك في أول طريق الحقيقة، يبقى مفيش مفر من الكلوم. تعالى قابلني في المكان الفلاني على كورنيش النيل، وبعيد عن أي عيون.

. وهحكيلك على كل مصيبة كنت مخبيها عنك عشان أحمي بيتك وعرضك، بس ساعتها.. الله أعلم إذا كنت هتقدر تستحمل تسمع ولا لا!”
أغلق الخط في وجهي، وترنح الهاتف في يدي وأنا أشعر أن أنفاسي تكاد تنقطع، تحركت بالسيارة كالمجنون نحو المكان الذي حدده، وعقلي لا يفكر إلا في شيء واحد: ما الذي سترويه لي يا خالد، وما هي الكارثة التي تنتظرني وتخفيها جدران بيتي؟

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
توماس شلبي

توماس شلبي موثّق ✦ ناشر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
126مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

نامت من التعب روايات

نامت من التعب

نامت علي كتف الشيخ نامت على كتف أخ،طر شيخ في المدينة من غير ما تعرف هويته لكن اللي عمله مع…

توماس شلبي 0.0 9 دقائق
خادمة الشيخ روايات

خادمة الشيخ

خادمة اللي نامت من التعب على سرير الشيخ راشد من غير ما تقصد، كانت فاكرة إن دي هتكون آخر لي…

توماس شلبي 0.0 22 دقائق