!
ضغطت على عجلة القيادة بقوة حتى كادت أصابعي تبيض من شدة العنف، ووصلت إلى المكان الذي حدده خالد على كورنيش النيل في أسرع وقت ممكن. كانت الأضواء الخافتة تنعكس على صفحة المياه، والرياح الباردة تحمل معها صخب الشارع، لكنني لم أكن أعير أي شيء حوليك أي اهتمام؛
كان كل ما يشغلني هو وجه خالد وظهوره من بين المارة.لم أضطر للانتظار طويلاً؛ وجدته يترجل من سيارته بخطوات بطيئة، وبدت على وجهه ملامح الجدية الشديدة التي خلت تماماً من أي استهتار أو سخرية هذه المرة.
اقترب مني وفتح باب سيارتي وجلس في المقعد المجاور بصمت، ثم نظر إليّ نظرة طويلة وقال بنبرة منخفضة ومتحفظة:
* “كنت متوقع إن اليوم ده هيجي يا عمر.. بس كنت أتمنى أموت ولا أشيل الشيلة دي لوحدي، ولا أخليك في يوم تبص لي النظرة دي.”
التفت إليه وأنا أكاد غضباً، وأمسكت بتلابيب جاكته بقوة وأنا أف:
* “خلصني يا خالد وبطل تمثيل! إيه اللي بينك وبين مراتي؟ وإيه السر اللي مخبيه واللي بيخليها تقع مغمي عليها وتخاف الرعب ده كله؟ اتكلم قبل ما أرتكب جناية فيك!”
أبعد يدي بهدوء شديد، وتنفس الصعداء بعمق، ثم نظر أمامه مباشرة وقال بصوت مرتعش يكسره الألم:
* “افتكرت إني الوحيد اللي خايف على بيتك.. بس العكس هو الصحيح. اسمعني للاخر يا عمر، واعرف الحكاية من أولها، لأن اللي هحكيهولك هيهد حيلك زي ما ههد حيلي.
”
تراجع في مقعده قليلاً وتابع بصوت خجول ومتهدج:
* “الموضوع مابداش من يوم ما جيت شقتكم.. الموضوع بدا من سنين، قبل ما تتجوز مريم أساساً. في الفترة اللي كنت أنا ومراتي منفصلين فيها أسرارياً، وكنت بمر بأزمة نفسية صعبة، كنت دايمًا بروح أقعد في بيت خالي..
وهناك عرفت بنت عمتها، وقعدت معاها فترة وحصلت بيننا غلطة.. غلطة عمري ما أنساها ولا هقدر أبررها.”
شعرت ببرودة تسري في أطراف وكأن طعنة خنجر أصابت صدري في العمق، وخرج صوتي مهزوزاً وغير مصدق:
* “غلطة إيه؟ وقصدك إيه بده كله؟! إيه علاقة ده بمريم؟
!”
نظر إليّ خالد وعيناه تلمعان بالدموع وقال:
* “البنت دي.. تبقاش مجرد بنت عمة، دي تبقا أخت مريم من أبيها في السر! أبوهم كان متجوز اتنين ومخبي عن العيلة كلها، ومريم مكنش عندها علم أصلاً بالقصة دي غير بالصدفة المتأخرة.
ولما حصلت الغلطة دي، البنت هددتني وفضلت تبتزني عشان متكشفش أمري قدام مراتي الأولى وأهلي.. بس الأسوأ من كده يا عمر، إن اليوم اللي جيت فيه شقتكم لأول مرة، ووقعت مريم مغمي عليها.. مكنش بسبب ريحة ولا تمثيل زي ما كنت فاكر!”
صعقت في مكاني ولم أستطع النطق حرفاً، وتابع خالد بصوت يملؤه الرعب:
* “مريم شافتني وأنا نازل من عند أختها في نفس العمارة اللي جنبكم بالصدفة البحتة، قبل ما أخبط على بابكم بدقائق معدودة! شافتني وأنا ماسك نفس الزجاجة بتاعت المهدئ العصبي اللي بتستخدمه أختها عشان حالات الصرع والانهيار العصبي.
. مريم عرفت السر كله في اللحظة دي، وعرفت خيانتي اللي تهد عيلتنا وتدمر سمعة الكل!”
سكت خالد وترك الكلمات تتردد في الفراغ بيننا، بينما بقيت جاحظ العينيين، ولساني عاجزاً عن الحركة، وكأن العالم من حولي توقف تماماً عن الدوران!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.