كلمات خالد كانت كالصاعقة التي هوت على رأسي، محطمة كل ما تبقى من يقيني وعقلي. جلست في السيارة ساكناً، عيناي زائغتان، وأنفاسي تتلاحق بصعوبة بالغة. أخت مريم السرية؟ ابتزاز؟ خيانة؟ وصدمة رؤيتها لخالد وهو خارج من هناك حاملاً تلك الزجاجة المهدئة؟
كل القطع بدأت تتجمع في صورة مرعبة وواضحة كالشمس، لكنها صورة تكفي لهدم حياتي وحياة أخي ومنزلي كله في ثوانٍ معدودات.التفتُ إلى خالد بعد صمت طال لقرون، وكان صوتي أشبه بحفيف الورق من شدة الوهن والغضب المكبوت:
* “يعني..
يعني إنت كنت بتخون مراتك، وفي نفس الوقت متسبب في إن مراتي تعيش في رعب وتهديد عشان تداري على مصيبتك؟ وكل ده وأنا وعيلتي مغفلين عايشين في الوهم؟!”
أنزل خالد رأسه إلى الأرض وقال بأسطوانة مكسورة ونبرة يملؤها الندم:
* “والله ما كنت أتمنى ده يحصل يا عمر.. أنا كنت باجي عندك عشان أطمن على أخويا وأهرب من جحيم المشاكل اللي أنا فيه، وكل مرة مريم كانت بتشوفني، الصدمة والخوف إن السر ينكشف والعيلة تتفرق كانوا بيوقعوها من طوالها..
والمرة دي، هي طلبت مني أجيب المهدئ ده عشان تقدر تسترد وقفتها وتخفي دوخة الخوف والذعر اللي بتجيلها، مش عشان تُمثل عليك زي ما ظنيت!”
ساد صمت مطبق داخل السيارة، صمت أثقل من الجبال. شعرت برغبة عارمة في الصراخ، في تكسير كل ما يدور حولي، لكن شعوراً أعمق بالانكسار كان يربط يدي وقدمي.
خمس سنوات من الحب والاستقرار انهارت في ليلة وضحاها بسبب أخطاء الآخرين التي تسببت في إلقاء ثقلها على بيتي وزوجتي البريئة.نظرت أمامي إلى الطريق المظلم، وقلت بصوت حاسم يقطر قسوة:
* “اسمعني كويس يا خالد..
اللي عملته ده قصة تخصك وحدك، وتتحمل عواقبها بمعرفتك، ومش هسامحك أبدًا على اللي جرّرته لبيتي من خوف وتهديد.”
فتحت باب السيارة بعنف وترجلت منها دون أن أستمع لكلمة أخرى منه. انطلقت بسيارتي بسرعة مجنونة عائدًا إلى البيت، وكل ما كان يشغل بالي الآن هو رؤية مريم..
ليس لأعاتبها، بل لأعتذر لها عما اقترفته في حقها من شك وظن سيء، ولكي أقرر معك كيف سنواجه هذا الكابوس سوياً.دخلت الشقة، وكانت الأضواء خافتة والصمت هو سيد المكان. وجدتها جالسة على الأريكة حيث تركتها، تضم knees إلى صدرها وعيناها حمراوان من كثرة البكاء.
ما إن رأتني حتى انكمشت في مكانها بخوف، كأنها تتوقع الأسوأ.اقتربت منها بخطوات بطيئة، وجلست على ركبتي أماميها على الأرض، ونظرت في عينيها الدامعتين، وقلت بصوت مشدوه ومكسور:
* “خلاص يا مريم.
. اعرفي إن كل حاجة انتهت، وعارف كل السر.. سامحيني لاني ظنيت فيكي السوء.”
رفعت عينيها المندهشتين إليّ، وعلت وجهها نظرة ذهول وخوف مزيج بدموع جديدة، وقالت بصوت متهدج:
* “أنت.. أنت عرفت؟!”
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.