هو بنفسه عرف يعني إيه الناس تحكم عليك من شكلك قبل حتى ما تعرف إنت مين، أو قلبك عامل إزاي. لكن عمره ما شاف بلد كاملة بتعامل بنت ضعيفة كأنها أقل من الحيوان! مبروك صرخ للمرة الأخيرة: — عشرة جنيه!
اللي مش هياخدها دلوقتي، هسيبها في الشارع لحد ما الليل ييجي والبرد ياكل عضمها! تحت الشوال، زينب بدأت تعيط في صمت. دموعها كانت بتنزل على وشها، وهي بتحاول تكتم شهقاتها عشان محدش يسمعها ويقعد يسخر منها أكتر. وفي اللحظة دي، حمدان حس إن فيه حاجة جواه اتكسرت.
شق طريقه وسط الناس، ومد إيده تحت عباءته الصوف التقيلة، وطلع كيس صغير مليان جنيهات دهب كان جمعها بنفسه على مدار سنين من شغله وتعبه. ومن غير ما يفكر ثانية واحدة، رمى الكيس ناحية مبروك وقال بصوت حاسم: — اتفضل، خمسين جنيه!
وخلّص ورق الجوازة! الضحك اختفى في لحظة! الناس بصوا لبعضهم بذهول، ومبروك مسك الكيس وفتحه بسرعة. ولما شاف الدهب اللي جواه، عينيه لمعت بالطمع. ابتسم ابتسامة عريضة وقال: — اتفقنا يا حمدان بيه! البنت بقت من نصيبك!
ومد له الورق بسرعة، وقبل ما حمدان يمضي، بص له بنظرة مليانة مكر وقال: — بس ما تجيش بعدين تلومني لما تعرف إيه اللي مستخبي تحت الشوال ده! صدقني، إنت محتاج قلب جامد عشان تستحمل المنظر! حمدان ما ردش عليه حتى.
بدل ما يضيع وقته معاه، لف ناحية زينب، وقرب منها بهدوء، ومد إيده ناحيتها. زينب بصت له من الفتحات الصغيرة اللي عند عينيها. أبوها نفسه اتخلى عنها، والراجل اللي كان المفروض يتجوزها فضحها وأهانها قدام البلد كلها.
ودلوقتي، فيه راجل غريب عمرها ما شافته قبل كده، دفع خمسين جنيه دهب عشان ياخدها معاه لبيت بعيد وسط الجبل! إيديها كانت بتترعش لدرجة إنها حاولت تمسك إيده مرتين، وفي المرتين صوابعها ما قدرتش تثبت. لكن في المحاولة التالتة، قدرت أخيرًا تمسك إيده بأطراف صوابعها.
حمدان بص لها وقال بصوت هادي: — تعالي يا بنتي... هنروح مكان دافي، ومحدش هيقربلك طول ما إنتِ معايا. قضوا ساعات طويلة في طريقهم للبيت البعيد اللي كان حمدان عايش فيه، وسط الأراضي الزراعية والطرق الوعرة اللي بتوصل للجبل.
زينب كانت ملفوفة في بطانية تقيلة فوق ظهر الحمار، وحمدان ماشي جنبه، بيقوده بحذر وسط الطريق اللي غرقان في الطين. طول الطريق، زينب ما حاولتش تشيل الشوال ولا حتى مرة واحدة. وكل ما حمدان يبص ناحيتها، يلاحظ صوابعها ماسكة في الخيط المربوط حوالين رقبتها بقوة، كأنها خايفة لو الشوال اتشال، حياتها كلها هتنتهي في اللحظة دي.
ولما وصلوا أخيرًا، كان الليل غطّى الجبل بالكامل. دخل حمدان البيت، وكانت فيه نــ,,ـــــار شغالة في الكانون، وريحة الشوربة السخنة والعيش البلدي ماليين المكان. ساعد زينب تنزل، وبعدها حط قدامها طبق أكل وكوباية شاي سخنة، وقعد على الكرسي الخشبي اللي قصادها.

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.