زينب نزلت عينيها، وابتسمت وسط دموعها. — أنا مش عايزة أعيش عندك كضيفة، ولا عايزة أفضل حاسة إنك أنقذتني ولازم أفضل طول عمري أرد لك الجميل. حمدان هز راسه. — وأنا مش عايزك تحسي بكده. — أنا عايزة أتعلم أعيش من جديد. عايزة أشتغل، وأبقى ليّا فلوسي، وأبقى قادرة أقرر بنفسي.
ولو في يوم حبيتك، عايزة أحبك وأنا حرة، مش عشان إنتَ أنقذتني. حمدان ابتسم. — ده أحسن اتفاق سمعته في حياتي. ومن اليوم ده، بدأت زينب حياة جديدة فعلًا. حمدان علمها الحساب والكتابة بشكل أفضل، وساعدها تفتح أوضة صغيرة جنب السوق تشتغل فيها بالخياطة، زي ما كانت أمها بتعمل.
في الأول، ناس كتير كانت بتقف قدام الباب تتفرج عليها، وبعضهم كان بيتهامس عن أثر الحــ,,ـــــرق اللي على وشها، لكن زينب بطلت تغطي وشها. كانت بتقابل النظرات بثبات، وترد على السخرية بابتسامة هادية، وتكمل شغلها.
وفي يوم، دخلت عليها ست كبيرة اسمها الحاجة فاطمة، كانت معروفة في البلد إنها لسانها طويل وما بتسيبش حد في حاله. وقفت قدام زينب، وبصت لأثر الحــ,,ـــــرق، وقالت: — إنتِ مش بتتكسفي تخرجي كده قدام الناس؟ زينب رفعت راسها من فوق القماش.
— لأ يا حاجة. إنتِ لو عندك سؤال عن شغلي، اتفضلي. إنما وشي مش موضوع للبيع والشراء. الست اتفاجئت من ردها، والناس اللي كانوا قاعدين جوه الأوضة بصوا لبعضهم. الحاجة فاطمة تمتمت بكلمتين، وخرجت. لكن بعد يومين رجعت ومعاها حفيدتها الصغيرة، اللي كانت عندها علامة ولادة كبيرة على خدها، والبنت كانت رافضة تخرج من البيت بسبب كلام زمايلها.
الحاجة فاطمة وقفت قدام زينب، وصوتها بقى أهدى. — أنا جيت أطلب منك تعملي لها فستان العيد. ومن يوم ما شفتك، وأنا بفكر في الكلام اللي قلتيه. يمكن أنا ظلــ,,ـــــمتك من غير ما أعرفك. زينب ابتسمت للبنت، ونزلت لمستواها. — وإنتِ اسمك إيه يا حبيبتي؟
— مريم. — طيب يا مريم، إيه رأيك نختار قماش يخليكي أميرة العيد؟ البنت ابتسمت لأول مرة، وزينب بدأت تقيس لها الفستان. ومع مرور الشهور، الستات بقوا ييجوا لها من قرى بعيدة، مش بس عشان خياطتها المتقنة، لكن عشان كانوا بيلاقوا عندها قلب يسمع من غير ما يحكم.
أما حمدان، فكان بيعدي عليها كل يوم بعد شغله، يحمل لها حاجات من السوق، ويقف بعيد لحد ما تخلص، وبعدها يمشوا سوا ناحية الجبل. ما كانش بينهم كلام حب كتير، ولا وعود كبيرة، لكن كان فيه اهتمام صغير بيتكرر كل يوم، لحد ما بقى أكبر من أي كلام.
وفي ليلة شتوية، بعد مرور سنة تقريبًا على لقائهم، نزلت عاصفة قوية على الجبل. المطر كان بينزل بغزارة، والريح بتخبط في الشبابيك، ولما حمدان اتأخر في الرجوع من الوادي، زينب ما قدرتش تقعد مكانها. لفت شالها على كتفها، وخرجت تدور عليه رغم اعتراض عوض، اللي كان بقى صديقًا للعيلة بعد ما شهد بالحقيقة وساعد في رجوع الأراضي لأصحابها.

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.