نفس الناس اللي ضحكت عليها في السوق، كانوا واقفين دلوقتي، بعضهم جاي يبارك، وبعضهم جاي يعتذر. مبروك كان اتحكم عليه بالسجــ,,ـــــن بعد ما ثبتت عليه جرائم التزوير والاعتــ,,ـــــدا والتورط في إخفاء أدلة الحــ,,ـــــريق، وشركاؤه اتعاقبوا، وأرض الوادي رجعت لأصحابها.
أما أبو زينب، فاعترف بكل اللي يعرفه، وقضى فترة عقوبته، وبعدها عاش بعيد عن بنته، لأنه فهم أخيرًا إن الندم ما بيمسحش الأذى، وإن الاعتذار مش معناه إن المظلوم ملزم يرجع زي الأول. زينب ما رجعتش تعيش معاه، لكنها بطلت تحمل نفسها ذنب اختياراته.
وفي يوم الفرح، وقفت الحاجة فاطمة وسط الستات، وقالت بصوت مسموع: — يا جماعة، إحنا ظلــ,,ـــــمنا البنت دي سنين، وافتكرنا إن العلامة اللي على وشها عيب، مع إن العيب الحقيقي كان في قلوبنا. أنا أول واحدة بقولها قدام الكل: سامحينا يا زينب. زينب بصتلها، وبعدين بصت للناس اللي حواليها.
— أنا مش محتاجة حد يحب شكلي، ولا حتى يعجبه. كل اللي كنت محتاجاه إنكم تعاملوني كإنسانة. وأنا مش هطلب منكم تنسوا اللي حصل، لكن أتمنى ما تكرروش نفس الغلط مع حد تاني. ساد الصمت لحظة، وبعدها واحدة من الستات بدأت تزغرد، واتعالت الزغاريد من كل ناحية.
حمدان كان واقف جنبها، لابس جلابية جديدة، وندبته واضحة على وشه، لكنه ما حاولش يخبيها ولا مرة. ولما قرب منها عشان يمسك إيدها، ابتسم وقال: — جاهزة يا بنت الأصول؟ زينب ضحكت. — جاهزة يا راجل الجبل. ومسك إيدها قدام الناس كلها، ومشوا ناحية البيت اللي اختاروا يعيشوا فيه سوا.
مرت سنتين، والبيت الصغير بقى أوسع وأجمل. زينب وسعت شغل الخياطة، وفتحت مكان صغير تعلم فيه البنات الحرفة من غير ما ياخدوا فلوس في الأول، خصوصًا البنات اللي ظروفهم صعبة أو اللي اتعرضوا للتنمر بسبب شكلهم أو إعاقتهم.
حمدان ساعد الفلاحين في الوادي يعملوا جمعية صغيرة تبيع محاصيلهم بسعر عادل، وبقى معروف في المنطقة إنه الراجل اللي ما بيخافش يقول الحق، حتى لو اللي قدامه صاحب نفوذ. وفي صباح ربيعي، كانت زينب قاعدة في الحوش، بتخيط فستان صغير، لما حمدان دخل وهو شايل بين إيديه طفل رضيع ملفوف في بطانية بيضا.
زينب رفعت راسها، واتسعت عينيها. — مين ده؟ حمدان ابتسم ابتسامة عريضة. — ده ضيفنا الجديد. زينب قامت بسرعة، وخدت الطفل بين إيديها، وقلبها بيدق بعنــ,,ـــــف. — إنتَ لقيته فين؟ حمدان ضحك. — ده ابن أخت عوض. أخته تعبانة شوية، وجابته تقعد معانا كام يوم لحد ما تتحسن.
بس أنا كنت بفكر... بص لها بتردد، وابتسامته بقت أهدى. — كنت بفكر إن البيت اللي عرف يديكي أمان، ممكن في يوم يبقى بيت مليان عيال، لو ربنا أراد. زينب بصت للطفل النائم، وابتسمت. — أنا نفسي يبقى عندنا عيلة كبيرة، بس مش عايزة أي طفل يدخل بيتنا وهو فاكر إنه لازم يبقى كامل عشان يتحب.
حمدان قعد جنبها، وبص للطفل. — ولا أنا. اللي يدخل بيتنا، هيتحب زي ما هو. وبعد سنة، رزقهم ربنا ببنت جميلة سموها أمينة، على اسم أم زينب، عشان تفضل سيرتها عايشة في البيت اللي اتبنى على الحقيقة بعد سنين من الظلــ,,ـــــم.

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.